عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
355
اللباب في علوم الكتاب
فصل فيمن قال : كم لبثت أجمعوا على « 1 » أن ذلك القائل هو اللّه تعالى ؛ لأنّ ذلك الخطاب كان مقرونا بالمعجز ، ولأنه بعد الإحياء شاهد من أحوال حماره ، وظهور البلى في عظامه ، ما عرف به أنّ تلك الخوارق لم تصدر إلّا من اللّه تعالى . وقيل : سمع هاتفا من السماء ، يقول له ذلك . وقيل : خاطبه جبريل ، وقيل : نبيّ . وقيل : مؤمن شاهده من قومه عند موته ، وعمّر إلى حين إحيائه . قال القرطبي « 2 » : والأظهر أنّ القائل هو اللّه - عز وجل - ، لقوله تعالى : « وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً » . فإن قيل : إنه تعالى كان عالما بأنه كان ميتا ، والميّت لا يمكنه بعد أن صار حيّا أن يعلم مدّة موته طويلة كانت أم قصيرة ؛ فلأيّ حكمة سأله عن مقدار المدة ؟ فالجواب « 3 » : أنّ المقصود منه التنبيه على حدوث ما حدث من الخوارق ، بقوله : « لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ » على حسب ظنّه ، كما روي في القصة : أنه أماته ضحى ، وأحياه بعد المائة قبل غروب الشمس ؛ فظن أنّ اليوم لم يكمل ، كما حكي عن أصحاب الكهف : قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [ الكهف : 19 ] على ما توهّموه ، ووقع في ظنّهم . وقول إخوة يوسف يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا [ يوسف : 81 ] وإنما قالوا ذلك ؛ بناء على إخراج الصّواع من رحله . قوله : « لَمْ يَتَسَنَّهْ » هذه الجملة في محلّ نصب على الحال ، وزعم بعضهم : أنّ المضارع المنفيّ ب « لم » إذا وقع حالا ، فالمختار دخول واو الحال ؛ وأنشد : [ الطويل ] 1201 - بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم * ولم تكثر القتلى بها حين سلّت « 4 » وزعم آخرون : أنّ الأولى نفي المضارع الواقع حالا بما ، ولمّا . وهذان الزّعمان غير صحيحين ؛ لأنّ الاستعمالين واردان في القرآن ، قال تعالى : فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ [ آل عمران : 174 ] ، وقال تعالى : أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ [ الأنعام : 93 ] فجاء النفي ب « لم » مع الواو ودونها .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 29 . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 189 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 29 . ( 4 ) البيت للفرزدق في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 122 ، شرح شواهد المغني ص 778 ، ولسان العرب ( خرر ) ، ( شيم ) ، الإنصاف ص 667 ، تذكرة النحاة ص 620 ، شرح المفصل 2 / 67 ، ومغني اللبيب ص 360 .